تقرير بحث السيد الخميني للنگرودي

138

جواهر الأصول

وبالجملة : قد يريد الإنسان ما يشتاق إليه نفسه ، وقد يريد ما يكرهه ؛ لحكم العقل وإغرائه على ترجيح المصلحة القوّية على المصلحة الضعيفة ، وكم فرق بين ترجيح العقل أحد طرفي الفعل على الآخر ، وبين اشتياقه لأحدهما دون الآخر ! بداهية أنّ الترجيح حكم العقل ، والاشتياق من صفات النفس . فتحصّل : أنّ الشوق المؤكّد غير الإرادة ، بل لم يكن من مبادئها دائماً ، ونفس الاشتياق - بلغ ما بلغ - ما لم تضمّ إليه أمر آخر لا يوجب إتيان الفعل خارجاً . ولو سلّم كون الاشتياق من مبادئ الإرادة ، أو أنّها هي الشوق المؤكّد لكن الضرورة قاضية بوجود الشدّة والضعف في الإرادة ؛ بداهة أنّ إرادة إنقاذ المحبوب عن الغرق أقوى من إرادة شرب الماء للتبريد . وكم فرق بين إرادة الحكومة والسلطنة على الناس ، وبين إرادة كنس البيت ! ولذا قد لا يبالي للوصول إلى مراده في الأُولى من لا تقوى له لهلاك نفس أو نفوس ، دون الثانية . وبالجملة : يختلف إرادة الفاعل فيما يصدر منه قوّةً وضعفاً حسب اختلاف أهمّية المصالح والغايات المطلوبة منه ؛ فالإرادة المحرّكة لنجاة نفسه أقوى من المحرّكة لها للقاء محبوبه ، وهي أقوى من المحرّكة لها للتفرّج والتفريح ، وهكذا . . . فظهر : أنّ الذي يقتضيه الوجدان ، بل عليه البرهان هو أنّ الإرادة لها مراتب ، وهي غير الاشتياق ، والاشتياق - بأيّ مرتبة كانت - لا يوجب بعثاً ، وهذا ممّا لا إشكال فيه . والإشكال إنّما هو في كيفية قبول الإرادة للشدّة والضعف ، مع أنّها حقيقة بسيطة ، كما أُورد ذلك الإشكال في الوجود والعلم وغيرهما من الحقائق البسيطة .